ابن الوزان الزياتي

590

وصف افريقيا

تحفظ وحيطة . وبعد مضي ثمانين يوما يحدد المحتسب سعر الأقوات ولا سيما سعر الخبز . ويقع هذا التسعير مرة واحدة في العام ، ذلك لأن الموظفين يعرفون استنادا إلى فيضان النيل ، المناطق التي رويت بشكل طيب ، والتي نالها الماء بإفراط ، والمناطق التي لم تأخذ كفايتها من الماء ، وذلك حسب مستوى أرض الزراعة . وعلى أساس هذه المعطيات تثبت أسعار القمح . وفي بداية أيام الفيضان في البلاد « 107 » يقام في القاهرة احتفال كبير جدا . وتقوم حينئذ ضجة من غناء وصراخ وموسيقى حتى لكأن المدينة قد انقلبت رأسا على عقب . وتستأجر كل أسرة مركبا وتزينه وهكذا يصبح كل السكان في المراكب ويلهو كل حسب وسائله . كما يشترك السلطان نفسه مع أمرائه الكبار وضباطه بهذا الاحتفال . ويذهب لقناة تدعى القناة الكبرى ، وهي قناة مسوّرة « 108 » . وهنا يأخذ فأسا ويضرب الجدار ويقوم كبار شخصيات حاشيته بصنع نفس الشيء إلى أن يتخرب القسم من الجدار الذي كان يمنع وصول الماء . وعندئذ ينهمر ماء النيل حالا في القناة بعنف كبير ومنها يوزع في القنوات الأخرى في الضواحي وفي المدينة المسورة . حتى إن مدينة القاهرة لتشبه مدينة البندقية ، ويمكن التنقل في المركب إلى كل الأماكن المأهولة وإلى كل بلدان مصر . ويستمر الاحتفال سبعة أيام حتى إن كل ما يربحه بائع أو صانع في العام ينفقه في هذا الأسبوع على غذائه وعلى الحلوى والمشاعل والعطور ، وعلى الموسيقيين . وهذا العيد هو نوع من مخلفات قدامي المصريين « 109 » . * وفي خارج القاهرة ، تقع قلعة السلطان بجانب ربض باب زويلة ، وقد شيدت على نتوء من جبل المقطم . وهذه القلعة محاطة بأسوار عالية ومتينة ، وهي مطوقة بقصور عجيبة تعجز الكلمات عن وصفها ، ومبلطة بأنواع من الرخام المتعدد الألوان ، ومجموع بعضها إلى بعض بشكل مدهش . وقد كسيت السقوف بالذهب وبأزهى الألوان . والنوافذ مزدانة بزجاج ملوّن ، كالتي يرى منها في بعض أنحاء أوروبا . ونجارة الأبواب منقوشة بفن رفيع ومغطاة بالرسوم وبالتذهيبات . وكانت هذه القصور

--> ( 107 ) أي يوم وفاء النيل حيث يتم فتح السدود كي ينساب الماء في القنوات ومنها يغمر الأراضي القابلة للزراعة . ( 108 ) في فم الخليج ، أي فم القناة الكبرى . ( 109 ) كان فرعون يذهب بنفسه بالفعل لكسر السد . . وعيد الوفاء كان موجودا دائما ، ولكنه رمزي صرف ، وهو نوع من تقليد منذ أن أصبح فيضان النيل نوعا من حياة أو موت بالنسبة لشعب مصر .